أغلى الكنوز
كانت ليلة ممطرة لم يشهد لها مثيل منذ سنين وكان أكثر ما يقلق السيد رضوان هو كل ما كد و جد عليه هو و إبنه" سامي" في أرضهم الصغيرة وسط هذا الجبل حيث يقطن,فكل ما زرعه وبناه سيهدده خطر الفناء وسط هذه العاصفة المرفقة بأمطار غزيرة إلا أن أكثر ما أقلق "سامي " إبنه هو مرض أبيه حيث كان سيد رضوان مريضا بمرض خطير -كما يبدو- فهو لا يتوقف عن السعال و حرارته مرتفعة للغاية و كان إستحالة على سامي أن يخرج للبحث عن طبيب وسط هذه العاصفة . كان سيد رضوان بقامته لطويلة ممتدا على فراشه متمنيا-طبعا- ألا يكون فراش موته إلا أنه قد كان يشعر أن نهايته إقتربت فما كان منه إلا أن نادى إبنه قائلا
-تعال يا بني إقترب مني
و لبى سامي ندائه في الحال متسائلا بخوف
-ما بك يا أبتي, أأنت بخير؟
-دعك مني,إنما قد ناديتك لأني أشعر أن نهايتي قد إقتربت (و رفع يده محذرا إبنه من مقاطعته) و أريدك أن تعلم بسر لا تعلمه أنت منذ سنين.
و هنا بدا أن صحة السيد رضوان قد بدأت تخونه و أن لحظة موته قد أتت فما كان منه إلا أن حاول النطق بأخر كلمات حياته
-إبحث في الخارج....لا تبحث بعيدا....لكن في الخار......
وصمت السيد رضوان ليس صمت مؤقت لكن صمت بلا نهاية.
كان لحظتها سامي جالسا بجانب أبيه و قد بدت عليه الصدمة مما حدث .هل مات أبوه حقا؟ هو لم يفكر في حياته في إحتمالية حدوث هذا، ربما ظن أن أبوه واحد لا يموت إلا أن الله فقط هو الواحد الذي الذي لا شريك له يعطي الحياة لمن يشاء و ينهي حياة من يشاء.
قام سامي بإغلاق أعين أبيه و غطى وجهه بعطائه و جلس بعدها بجانبه يفكر في طفولته و صباه و اللحظات التي عاشها معه بسعادتها و حزنها، بسهولتها و صعوبتها حتى نزلت دموعه من شدة أساه و حزنه.
أتى يوم جديد على سامي ليس ككل يوم لكن الحياة لا تهتم،لا تهتم لأي كان و كأن سامي لم يفقد أعز ما يملك. هي ستستمر ككل يوم ، ستبزغ الشمس في السماء و سترسل أشعتها على الكون إلا أن سامي ليس جزء من هذا الكون الأن فهو رغم كل هذا النور إلا أنه يشعر أنه وسط ظلام دامس.
إلا أنه وجب عليه الإستيقاظ، وحمل بعدها جثة أبيه و دفنه وسط مزرعته التي يحب و لطالما أحبها.
جلس بعدها سامي ينظر إلى المزرعة كيف دمرتها العاصفة من كل مكان شعر حينها بسعادة -جزئية- نحو أبيه لعدم رؤيته لمزرعته في هذه الحالة فهو لو نجى من مرضه كان سيقتله هذا المنظر . و تذكر بعدها سامي قول أبيه " إبحث في الخارج....لا تبحث بعيدا...لكن في الخارج" ماذا قصد بهذا و عن ماذا سأبحث و لماذا؟ كانت تبدو على سامي علامات الحيرة إلا أنه بدأ البحث بالفعل، بحث في كل مكان خطر على باله و حفر في عدة أماكن حيث يمكن أن يكون ما يبحث عنه إلا أنه لم يجد شيئا . جلس بعدها يلتقط أنفاسه و كان يفكر هل خبأ أبوه كنزا تحت الأرض للحالات الطارئة كهذه ؟
- يجب أن أجده لأكمل حياتي بطريقة جيدة هكذا فكر سامي و هنا تذكر تلك الشجرة التي كان أبوه يلقي نظرة عليها بين الحين والآخر ربما كان ما خبأه هناك، ربما كان كنزه مخبأ عند تلك الشجرة لذلك كان أبوه يلقي نظرة بستمرار على ذاك المكان.
إتجه حينها سامي إلى تلك الشجرة التي كانت بعيدة -نسبيا- عن المزرعة و حفر بجانبها حتى وجد أخيرا ظالته، وجد -كما يظن- كنزه الثمين إلا أن ما وجده كان بعيدا عن توقعه.
كان وسط التراب صندوق صغير مدفون ، كيف يمكن أن يكون كنزا وسط هذا الصندوق الصغير .
أخذه سامي بعدها و خيبة الأمل بادية على محياه و فتحه ليجد ورقة و خاطب نفسه بحيرة كبيرة
-ماذا ورقة! ، الكنز الذي خبأه أبي ورقة!، كيف سأكمل حياتي الأن و أنا لا أملك شيئا حتى المزرعة دمرتها العاصفة
و فتح بعدها الورقة التي كانت داخل الصندوق و أخذ يقرأ محتواها :
إلى إبني العزيز
رغم ما ستعلمه في الأسطر القليلة القادمة سأطلب منك السماح و ألا تنسى أيامنا الجميلة التي عشنها أما بعد
أريدك أن تعلم أني عشت أيام صعبة في حياتي خاصة بعد موت زوجتي حينها شعرت بأسى و فقدت الأمل من الحياة حتى أتى ما أعادني للحياة من الجديد.
حين أتى لي رجل لا أعلم من هو و كان بين يديه طفل رضيع طلب منى أن أعتبره كأبن لي و أعطاني هذه المزرعة الصغيرة لأعيش منها معه و قبلت الإقتراح من فوري فقد إعتبرتها فرصتي الثانية في الحياة و قبل ذهابه طلب مني الرجل شيء أخر أن أطلق على هذا الرضيع إسم سامي فهكذا كان أبوه يودان تسميته.
أنا لست عائلتك الحقيقية يا بني إذهب و إبحث عن حقيقتك و لتفعل ذلك ستجد قلادة صغيرة بجانب الصندوق تلك ستكون إثباتك إذ وجدت عائلتك في أحد الأيام و أنصحك بالبحث وسط المدينة أولا.
أبوك دائما و أبدا،توفيق
نظر سامي إلى حيث وجد الصندوق فوجد بالفعل قلادة صغيرة لم يلاحظ وجودها ، حملها بين يديه و جلس بجانب شجرة و الصدمة بادية على محياه.
فكر سامي في نفسه قائلا
-ماذا هل كانت كل حياتي عبارة عن كذبة؟ هل كنت أعيش دائما مع رجل ليس بأبي ؟ ماذا سأفعل و أين سأذهب الأن؟
وسط كل هذه الحيرة و الحزن أتى رجل غريب بدى مار من هناك و حين لاحظ وجود سامي إقترب منه و طلب إذن الجلوس بجانبه و وافقه سامي بإيمائة من رأسه
جلس حينها الرجل و خيم بعض الصمت لم يتكلم أي منهما فيها فسامي كان في حالة لا تسمح بالكلام بعد ما علم و بدى على الرجل الإرهاق من الطريق .
و بعد لحظات من الصمت نظر الرجل الغريب إلى سامي قائلا
-أرى الصدمة في عيونك يا بني، صدمة مليئة بالحزن فما بك
نظر إليه سامي حينها و شعر -دون أن يعلم هو نفسه السبب- بالثقة نحوه و كأنه يعلمه منذ دهر فأجابه قائلا
- لقد توفي أبي ليلة البارحة و قبل موته طلب من البحث لم يخبرني عن ماذا لكنه طلب مني البحث فقط و قمت بذلك بالفعل ظننا مني أني سأجد كنزا ما لكني صدمة بعد ما وجدت .
وقام بعدها بتسليمه الرسالة ليقرأها و بعد إنتهائه منها خاطبه قائلا
- لا تحزن يابني فأنك قد وجدت داخل هذه الرسالة كنزا أفضل من كل كنوز الدنيا جمعاء ، إن كنز العائلة أفضل الكنوز على الإطلاق .
و إستيقظ بعدها مضيفا
- لقد طلب منك أباك البحث وسط المدينة و هي وجهتي الأن بالفعل فما رأيك أن تكون رفيق طريقي إلى هناك ؟
بدى على سامي التعجب إلى أنه أجابه قائلا
-أتريد مني أن أسافر مع رجل لا أعلم حتى إسمه
- رضوان هذا هو إسمي إن كان يهمك الأمر
-و أنا سامي
-سأعتبر هذه موافقة منك على العرض
- أجل يمكنك ذلك
سافر بعدها سامي و توفيق في رحلة أخذت من حياتهم ثلاث أيام بلياليها حين وصلوا إلى المدينة بالفعل و كانت الشمس قد بدأت بالغروب فطلب توفيق من سامي القدوم معه لإحدى النزل حيث ناموا هناك و إستيقظ كلاهما من الغد صباحا و قد حل وقت الفراق فودع كلاهما الأخر و ذهب سامي للبداية في البحث عن عائلته لكنه كان محتارا فكيف البداية؟
بدأ المشي في الطريق دون عنوان لا يعلم أين تأخذه الأقدار حتى شدت إنتباهه إحدى الصور حيث كانت تجمع - على ما يبدو - ملك و ملكة البلاد و إقترب سامي يتمعن في الصور حتى لاحظ شيء أبعد ما يكون أن يكون من الحقيقة. لقد كانت الملكة ترتدي قلادة مثل التي وجدها بجانب الصندوق.
و بدأ يفكر في نفسه قائلا
-أيعني هذا أني إبن هاذين الزوجين ، الملك و الملكة !!!!
كاد قلب سامي يطير من الفرح حينها لكنه لا يعلم ماذا سيفعل و كيف سيصل لهما حتى علم من أحد المارة حين كان يحدث صديقه أنهما سيكونان في المهرجان السنوي للمدينة الذي صادف أنه في هذا اليوم فقام يتبع خطى ذاك الرجل و صديقه لعلهما يوصلانه إلى المهرجان.
و بالفعل و بعد لحظات من تتبعهما وصل سامي أخيرا إلى المهرجان الذي أقيم داخل مسرح واسع و كان المكان مليئا بعدد كبير من الناس فكما يبدو أن جل المدينة في هذا الإحتفال .و أخذ في البحث بعينه و كل جوارحه عن من هما -على الأغلب- والداه، حتى وقعت عيناه على شخصين يجلسان في شرفة المسرح حيث يشاهدان المهرجان و قد بدى الوصول لهما مستحيلا وسط كل تلك الحراس و هنا سمع مذيع المهرجان يقول
- مسابقة "الأسرع" ستبدأ بعد قليل من يريد المشاركة عليه التوجه إلى الخيمة في جانب الأيسر من المسرح حيث يتم التسجيل هناك و لا تنسو أن صاحب المرتبة الأولى سيحصل على جائزة لا مثيل لها، سيكون له شرف طلب أي ما يتمناه قلبه من الملك و الملكة
خفق قلب سامي حينها أنها فرصته الأفضل لتحقيق مراده و إتجه من حينه لتسجيل حيث علم هناك أن المسابقة ستقام بعد نصف ساعة من الأن.
بعد نصف ساعة من الأنتظار كان سامي يقف على خط البداية حيث وقف إلى جانبه تسعة أخرون و بعد لحظات أطلق الحكم ضربة البداية، كانت حلبة سباق مستديرة و بعد بعض اللحظات من الركض كان سامي الأول يلاحقه شخص واحد أما بقية المتسابقين فقد فصلتهم عنهم مسافة ليست بهينة. حينها بدأ الإرهاق يصارع سامي و يتملكه و إستغل منافسه ذلك و تجاوزه حين بدأ خط النهاية يقترب و هنا تذكر سامي أن بين مستقبله و حياته و عائلته هذا الرجل و خط النهاية هناك فقام بستجماع كامل قوته و إنطلق مسرعا كأنه بدأ السباق في الحال و إقترب من صاحب المرتبة الأولى أكثر فأكثر إلا أن صاحب المقدمة كان يقترب من خط النهاية بدوره أكثر فأكثر و قبل النهاية بقليل بدى أن الرجل قد إستهلك كامل قوته فحاول سامي حينها إستغلال الفرصة و زاد في سرعته حتى تجاوزه في أخر لحظات السباق متحصلا على المرتبة الأولى بعد جهد جهيد ، و سقط بعدها على الأرض بعد كل الجهد الذي بذله.
بعدما إستجمع سامي كامل قوته إتجه إلى حيث معلق المهرجان و سلمه المعلق بدوره رافع الصوت ليقول طلبه و ليتمكن الملك و الملكة من سماعه و قال حينها سامي و قلبه يكاد يطير من الفرح
- كل ما أريده هو مقابلة جلالة الملك و الملكة وجها لوجه
بدى الإستغراب على الجميع حينها لما لا يطلب شخص مثله المال أو قصرا أو شغل جيدا ؟ لما يطلب مقابلة الملك و الملكة ؟ هكذا كان كل الحضور تتحدث فما بينهم إلى أن طلب سامي قد تحقق و أخذ لمقابلة الملك و الملكة.
عند وصوله كان التردد و الخوف باد على سامي إلا أنه إستجمع شجاعته و دخل ليقابلهم و وجد كليهما في إنتظاره بفعل و خاطبته الملكة بابتسامة كبيرة و لطف بالغ
- مرحبا بك أيها الشاب الشجعاع
و أضاف الملك قائلا
- لما طلبت مقابلتنا ؟؟
حينها قام سامي بإخراج القلادة من جيبوه و سلمها للملكة حينها دون سابق إنذار ما كان منها أن سقطت على الأرض من شدة الصدمة . حملها بعدها الخدم يفحصونها بينما أمر الملك بالإمساك بسامي متسائلا بلهجة عدوانية
- من أين حصلت على هذه القلادة ؟؟
فأجابه سامي مطيعا
- أنها ملك لي منذ صغري
و سلمه الكنز الذي وجده في المزرعة تلك الرسالة التي كهرهها أولا ثم أصبحت أغلى ما يملك و قام الملك بقرائتها بدوره و ظهرت على ملامحه تلك الصدمة نفسها التي حصلت لسامي و أمر الحرس بتركه و عيونه ملئتها الدموع و فتح يديه و عانقه عناقا مليئا بالحب و الإشتياق و نظر إلى زوجته قائلا
- إبننا الرائع قد أتى يا أميرتي، لقد أعاده الله لنا بعد كل هذا الزمن
حينها غرقت الملكة في البكاء، بكائا ممزوجا بالفرح و السعادة اللامتناهية و عانقت إبنها بدورها ثم أجلساه بينهما و أخبراه كل الحكاية تلك الحكاية القديمة كيف كان الملك السابق- أب الملك الحالي- معارضا لزواجهما و قام بخطفه منهما ثم أخبرهما أنه توفيا و عندها و بعدما علم سامي بالقصة أعذر والداه الحقيقيين و شعر بينهما بسعادة بالغة.
أقيمت بعدها الإحتفالات في كامل البلاد على شرف الأمير سامي الذي أعلن أنه الوريث الشرعي للعرش و عاش سامي حياته وسط عائلة مليئة بالحب و السعادة إلا أنه لم ينسى أبدا عائلته القديمة أبوه رضوان ذاك الرجل الذى لطالما أحبه سامي و سيحبه إلى الأبد و تذكر ما أخبره صديقة توفيق أن أغلى الكنوز على الإطلاق هو كنز العائلة .
-تعال يا بني إقترب مني
و لبى سامي ندائه في الحال متسائلا بخوف
-ما بك يا أبتي, أأنت بخير؟
-دعك مني,إنما قد ناديتك لأني أشعر أن نهايتي قد إقتربت (و رفع يده محذرا إبنه من مقاطعته) و أريدك أن تعلم بسر لا تعلمه أنت منذ سنين.
و هنا بدا أن صحة السيد رضوان قد بدأت تخونه و أن لحظة موته قد أتت فما كان منه إلا أن حاول النطق بأخر كلمات حياته
-إبحث في الخارج....لا تبحث بعيدا....لكن في الخار......
وصمت السيد رضوان ليس صمت مؤقت لكن صمت بلا نهاية.
كان لحظتها سامي جالسا بجانب أبيه و قد بدت عليه الصدمة مما حدث .هل مات أبوه حقا؟ هو لم يفكر في حياته في إحتمالية حدوث هذا، ربما ظن أن أبوه واحد لا يموت إلا أن الله فقط هو الواحد الذي الذي لا شريك له يعطي الحياة لمن يشاء و ينهي حياة من يشاء.
قام سامي بإغلاق أعين أبيه و غطى وجهه بعطائه و جلس بعدها بجانبه يفكر في طفولته و صباه و اللحظات التي عاشها معه بسعادتها و حزنها، بسهولتها و صعوبتها حتى نزلت دموعه من شدة أساه و حزنه.
أتى يوم جديد على سامي ليس ككل يوم لكن الحياة لا تهتم،لا تهتم لأي كان و كأن سامي لم يفقد أعز ما يملك. هي ستستمر ككل يوم ، ستبزغ الشمس في السماء و سترسل أشعتها على الكون إلا أن سامي ليس جزء من هذا الكون الأن فهو رغم كل هذا النور إلا أنه يشعر أنه وسط ظلام دامس.
إلا أنه وجب عليه الإستيقاظ، وحمل بعدها جثة أبيه و دفنه وسط مزرعته التي يحب و لطالما أحبها.
جلس بعدها سامي ينظر إلى المزرعة كيف دمرتها العاصفة من كل مكان شعر حينها بسعادة -جزئية- نحو أبيه لعدم رؤيته لمزرعته في هذه الحالة فهو لو نجى من مرضه كان سيقتله هذا المنظر . و تذكر بعدها سامي قول أبيه " إبحث في الخارج....لا تبحث بعيدا...لكن في الخارج" ماذا قصد بهذا و عن ماذا سأبحث و لماذا؟ كانت تبدو على سامي علامات الحيرة إلا أنه بدأ البحث بالفعل، بحث في كل مكان خطر على باله و حفر في عدة أماكن حيث يمكن أن يكون ما يبحث عنه إلا أنه لم يجد شيئا . جلس بعدها يلتقط أنفاسه و كان يفكر هل خبأ أبوه كنزا تحت الأرض للحالات الطارئة كهذه ؟
- يجب أن أجده لأكمل حياتي بطريقة جيدة هكذا فكر سامي و هنا تذكر تلك الشجرة التي كان أبوه يلقي نظرة عليها بين الحين والآخر ربما كان ما خبأه هناك، ربما كان كنزه مخبأ عند تلك الشجرة لذلك كان أبوه يلقي نظرة بستمرار على ذاك المكان.
إتجه حينها سامي إلى تلك الشجرة التي كانت بعيدة -نسبيا- عن المزرعة و حفر بجانبها حتى وجد أخيرا ظالته، وجد -كما يظن- كنزه الثمين إلا أن ما وجده كان بعيدا عن توقعه.
كان وسط التراب صندوق صغير مدفون ، كيف يمكن أن يكون كنزا وسط هذا الصندوق الصغير .
أخذه سامي بعدها و خيبة الأمل بادية على محياه و فتحه ليجد ورقة و خاطب نفسه بحيرة كبيرة
-ماذا ورقة! ، الكنز الذي خبأه أبي ورقة!، كيف سأكمل حياتي الأن و أنا لا أملك شيئا حتى المزرعة دمرتها العاصفة
و فتح بعدها الورقة التي كانت داخل الصندوق و أخذ يقرأ محتواها :
إلى إبني العزيز
رغم ما ستعلمه في الأسطر القليلة القادمة سأطلب منك السماح و ألا تنسى أيامنا الجميلة التي عشنها أما بعد
أريدك أن تعلم أني عشت أيام صعبة في حياتي خاصة بعد موت زوجتي حينها شعرت بأسى و فقدت الأمل من الحياة حتى أتى ما أعادني للحياة من الجديد.
حين أتى لي رجل لا أعلم من هو و كان بين يديه طفل رضيع طلب منى أن أعتبره كأبن لي و أعطاني هذه المزرعة الصغيرة لأعيش منها معه و قبلت الإقتراح من فوري فقد إعتبرتها فرصتي الثانية في الحياة و قبل ذهابه طلب مني الرجل شيء أخر أن أطلق على هذا الرضيع إسم سامي فهكذا كان أبوه يودان تسميته.
أنا لست عائلتك الحقيقية يا بني إذهب و إبحث عن حقيقتك و لتفعل ذلك ستجد قلادة صغيرة بجانب الصندوق تلك ستكون إثباتك إذ وجدت عائلتك في أحد الأيام و أنصحك بالبحث وسط المدينة أولا.
أبوك دائما و أبدا،توفيق
نظر سامي إلى حيث وجد الصندوق فوجد بالفعل قلادة صغيرة لم يلاحظ وجودها ، حملها بين يديه و جلس بجانب شجرة و الصدمة بادية على محياه.
فكر سامي في نفسه قائلا
-ماذا هل كانت كل حياتي عبارة عن كذبة؟ هل كنت أعيش دائما مع رجل ليس بأبي ؟ ماذا سأفعل و أين سأذهب الأن؟
وسط كل هذه الحيرة و الحزن أتى رجل غريب بدى مار من هناك و حين لاحظ وجود سامي إقترب منه و طلب إذن الجلوس بجانبه و وافقه سامي بإيمائة من رأسه
جلس حينها الرجل و خيم بعض الصمت لم يتكلم أي منهما فيها فسامي كان في حالة لا تسمح بالكلام بعد ما علم و بدى على الرجل الإرهاق من الطريق .
و بعد لحظات من الصمت نظر الرجل الغريب إلى سامي قائلا
-أرى الصدمة في عيونك يا بني، صدمة مليئة بالحزن فما بك
نظر إليه سامي حينها و شعر -دون أن يعلم هو نفسه السبب- بالثقة نحوه و كأنه يعلمه منذ دهر فأجابه قائلا
- لقد توفي أبي ليلة البارحة و قبل موته طلب من البحث لم يخبرني عن ماذا لكنه طلب مني البحث فقط و قمت بذلك بالفعل ظننا مني أني سأجد كنزا ما لكني صدمة بعد ما وجدت .
وقام بعدها بتسليمه الرسالة ليقرأها و بعد إنتهائه منها خاطبه قائلا
- لا تحزن يابني فأنك قد وجدت داخل هذه الرسالة كنزا أفضل من كل كنوز الدنيا جمعاء ، إن كنز العائلة أفضل الكنوز على الإطلاق .
و إستيقظ بعدها مضيفا
- لقد طلب منك أباك البحث وسط المدينة و هي وجهتي الأن بالفعل فما رأيك أن تكون رفيق طريقي إلى هناك ؟
بدى على سامي التعجب إلى أنه أجابه قائلا
-أتريد مني أن أسافر مع رجل لا أعلم حتى إسمه
- رضوان هذا هو إسمي إن كان يهمك الأمر
-و أنا سامي
-سأعتبر هذه موافقة منك على العرض
- أجل يمكنك ذلك
سافر بعدها سامي و توفيق في رحلة أخذت من حياتهم ثلاث أيام بلياليها حين وصلوا إلى المدينة بالفعل و كانت الشمس قد بدأت بالغروب فطلب توفيق من سامي القدوم معه لإحدى النزل حيث ناموا هناك و إستيقظ كلاهما من الغد صباحا و قد حل وقت الفراق فودع كلاهما الأخر و ذهب سامي للبداية في البحث عن عائلته لكنه كان محتارا فكيف البداية؟
بدأ المشي في الطريق دون عنوان لا يعلم أين تأخذه الأقدار حتى شدت إنتباهه إحدى الصور حيث كانت تجمع - على ما يبدو - ملك و ملكة البلاد و إقترب سامي يتمعن في الصور حتى لاحظ شيء أبعد ما يكون أن يكون من الحقيقة. لقد كانت الملكة ترتدي قلادة مثل التي وجدها بجانب الصندوق.
و بدأ يفكر في نفسه قائلا
-أيعني هذا أني إبن هاذين الزوجين ، الملك و الملكة !!!!
كاد قلب سامي يطير من الفرح حينها لكنه لا يعلم ماذا سيفعل و كيف سيصل لهما حتى علم من أحد المارة حين كان يحدث صديقه أنهما سيكونان في المهرجان السنوي للمدينة الذي صادف أنه في هذا اليوم فقام يتبع خطى ذاك الرجل و صديقه لعلهما يوصلانه إلى المهرجان.
و بالفعل و بعد لحظات من تتبعهما وصل سامي أخيرا إلى المهرجان الذي أقيم داخل مسرح واسع و كان المكان مليئا بعدد كبير من الناس فكما يبدو أن جل المدينة في هذا الإحتفال .و أخذ في البحث بعينه و كل جوارحه عن من هما -على الأغلب- والداه، حتى وقعت عيناه على شخصين يجلسان في شرفة المسرح حيث يشاهدان المهرجان و قد بدى الوصول لهما مستحيلا وسط كل تلك الحراس و هنا سمع مذيع المهرجان يقول
- مسابقة "الأسرع" ستبدأ بعد قليل من يريد المشاركة عليه التوجه إلى الخيمة في جانب الأيسر من المسرح حيث يتم التسجيل هناك و لا تنسو أن صاحب المرتبة الأولى سيحصل على جائزة لا مثيل لها، سيكون له شرف طلب أي ما يتمناه قلبه من الملك و الملكة
خفق قلب سامي حينها أنها فرصته الأفضل لتحقيق مراده و إتجه من حينه لتسجيل حيث علم هناك أن المسابقة ستقام بعد نصف ساعة من الأن.
بعد نصف ساعة من الأنتظار كان سامي يقف على خط البداية حيث وقف إلى جانبه تسعة أخرون و بعد لحظات أطلق الحكم ضربة البداية، كانت حلبة سباق مستديرة و بعد بعض اللحظات من الركض كان سامي الأول يلاحقه شخص واحد أما بقية المتسابقين فقد فصلتهم عنهم مسافة ليست بهينة. حينها بدأ الإرهاق يصارع سامي و يتملكه و إستغل منافسه ذلك و تجاوزه حين بدأ خط النهاية يقترب و هنا تذكر سامي أن بين مستقبله و حياته و عائلته هذا الرجل و خط النهاية هناك فقام بستجماع كامل قوته و إنطلق مسرعا كأنه بدأ السباق في الحال و إقترب من صاحب المرتبة الأولى أكثر فأكثر إلا أن صاحب المقدمة كان يقترب من خط النهاية بدوره أكثر فأكثر و قبل النهاية بقليل بدى أن الرجل قد إستهلك كامل قوته فحاول سامي حينها إستغلال الفرصة و زاد في سرعته حتى تجاوزه في أخر لحظات السباق متحصلا على المرتبة الأولى بعد جهد جهيد ، و سقط بعدها على الأرض بعد كل الجهد الذي بذله.
بعدما إستجمع سامي كامل قوته إتجه إلى حيث معلق المهرجان و سلمه المعلق بدوره رافع الصوت ليقول طلبه و ليتمكن الملك و الملكة من سماعه و قال حينها سامي و قلبه يكاد يطير من الفرح
- كل ما أريده هو مقابلة جلالة الملك و الملكة وجها لوجه
بدى الإستغراب على الجميع حينها لما لا يطلب شخص مثله المال أو قصرا أو شغل جيدا ؟ لما يطلب مقابلة الملك و الملكة ؟ هكذا كان كل الحضور تتحدث فما بينهم إلى أن طلب سامي قد تحقق و أخذ لمقابلة الملك و الملكة.
عند وصوله كان التردد و الخوف باد على سامي إلا أنه إستجمع شجاعته و دخل ليقابلهم و وجد كليهما في إنتظاره بفعل و خاطبته الملكة بابتسامة كبيرة و لطف بالغ
- مرحبا بك أيها الشاب الشجعاع
و أضاف الملك قائلا
- لما طلبت مقابلتنا ؟؟
حينها قام سامي بإخراج القلادة من جيبوه و سلمها للملكة حينها دون سابق إنذار ما كان منها أن سقطت على الأرض من شدة الصدمة . حملها بعدها الخدم يفحصونها بينما أمر الملك بالإمساك بسامي متسائلا بلهجة عدوانية
- من أين حصلت على هذه القلادة ؟؟
فأجابه سامي مطيعا
- أنها ملك لي منذ صغري
و سلمه الكنز الذي وجده في المزرعة تلك الرسالة التي كهرهها أولا ثم أصبحت أغلى ما يملك و قام الملك بقرائتها بدوره و ظهرت على ملامحه تلك الصدمة نفسها التي حصلت لسامي و أمر الحرس بتركه و عيونه ملئتها الدموع و فتح يديه و عانقه عناقا مليئا بالحب و الإشتياق و نظر إلى زوجته قائلا
- إبننا الرائع قد أتى يا أميرتي، لقد أعاده الله لنا بعد كل هذا الزمن
حينها غرقت الملكة في البكاء، بكائا ممزوجا بالفرح و السعادة اللامتناهية و عانقت إبنها بدورها ثم أجلساه بينهما و أخبراه كل الحكاية تلك الحكاية القديمة كيف كان الملك السابق- أب الملك الحالي- معارضا لزواجهما و قام بخطفه منهما ثم أخبرهما أنه توفيا و عندها و بعدما علم سامي بالقصة أعذر والداه الحقيقيين و شعر بينهما بسعادة بالغة.
أقيمت بعدها الإحتفالات في كامل البلاد على شرف الأمير سامي الذي أعلن أنه الوريث الشرعي للعرش و عاش سامي حياته وسط عائلة مليئة بالحب و السعادة إلا أنه لم ينسى أبدا عائلته القديمة أبوه رضوان ذاك الرجل الذى لطالما أحبه سامي و سيحبه إلى الأبد و تذكر ما أخبره صديقة توفيق أن أغلى الكنوز على الإطلاق هو كنز العائلة .

0 تعليق على موضوع "قصة قصيرة :أغلى الكنوز"
الإبتساماتإخفاء